21 يناير 2026
((الشيك ومرونة المشرع الإماراتي في التعامل معه كأداةِ وفاءٍ وورقةٍ تجارية تقوم مقام النقود))
كان الشيك فيما مضى وحتى وقتٍ قريبٍ يُمَثِل مَبعَثاً للخوفِ ومَصدَرَاً للإزعاجِ فلا يجرؤُ أحدٌ على الاقتراب منه لما يُحيطُ به من خطوطٍ حمراء ومخاطرٍ محفوفة به، وكان يتعين على من يُصدِرُ شيكاً لأخر – (الساحب للمستفيد) – أن يُفَكِر مَلياً ومِرَاراً في عواقب إعطائه الشيك لجهة المستفيد، لأنه كان يعلمُ جيداً ما ينتظر الساحب من عقوبات تصل إلى الحبس والإبعاد.
حيث كان المشرع الإماراتي في بادئ الأمر يتبنى اتجاهات حازمة وصارمة في التعامل مع هذا الصك الحيوي والخطير لما يرتبط به من تعاملاتٍ تجاريةٍ ويوميةٍ، كانت من شأنها أن تؤثر على البنيةِ التجارية للمجتمع، ومن ثم زعزعة استقرار اقتصادها الوطني.
ولكن كان للمشرع الإماراتي رأيٌ أخر، وكما عهدناه مُبادِراً إلى السبق والريادة في تطوير تشريعاته القانونية بتوازنٍ ومرونةٍ عميقين لملاحقة التطورات التي يكشف عنها الواقع العملي والعالمي بما يحافظ معه على اقتصاد الدولة وسُمعَتِها الرائدة من جهةٍ والحفاظ على الغايةِ من هذه التشريعات الفعالةِ في جذب رؤوس الأموال والمستثمرين وطمأنتهم والحفاظ على استمرار أنشطتهم بالدولة، بما يعود بالنفع العام على الجميع.
فَسَلَكَ المشرع الإماراتي مَسلَكَاً مُتوازناً وذكياً يتماشى مع أهداف القيادة الرشيدة في جذب الاستثمارات واستقرار المعاملات وعدم طرد رؤوس الأموال أو تسربها وهروبها من الدولة خوفاً من العقوبات الجنائية الجامدة التي كانت تصل إلى حد الحبس وفي الوقت ذاته المحافظة على الشيك كورقة تجارية لا تفقد أهميتها بتطور تشريعاته التي كانت تهدف في النهاية إلى حماية المستفيد الذي تحرر الشيك لأجله، فوضع المُشَرِعُ الإماراتي نَصب عينيه طبيعة الدولة باعتبارها مركزاً عالمياً متقدماً ومركزاً للتجارة العالمية، مما يضع على عاتقهِ عبئاً ثقيلاً لإيجاد الموازنة في هذه المعادلة الصعبة، للحفاظ على هذه المكانة الهامة، وفي الوقت ذاته إنفاذ القانون والعدالة بالمحافظة على حقوق المتعاملين بهذه الورقة الهامة (الشيك) دون خسارة مُعَدَل النمو الاقتصادي والمستثمرين في الدولة، فكانت الحاجة الماسة لإيجاد تشريعٍ مَرن ومُطمئِن للجميع.
وهو ما حدا بالمشرع الإماراتي في تعديله الأخير إلى تقليص الحماية الجنائية في الشيك وحصرها في حالات ضيقة دون التوسع فيها، مع التركيز على حماية الشيك وقيمته بمظلة الحماية المدنية، فكان الاتجاه إلى إصدار تعديل في أحكام الشيك بموجب قانون المعاملات التجارية رقم (50) لسنة 2022م.
حيث تندرج أحكام تنظيم الشيكات في دولة الإمارات ضمن أحكام قانون المعاملات التجارية الاتحادي، وتحديدًا القانون الاتحادي رقم (50) لسنة 2022م، والتي أفرَدَ لها المشرع نحو (25) مادة لتنظيم حالاته، واحترام خصوصية وحساسية هذا الصك باعتباره أداة وفاء يقوم مقام النقود بلا فرق، وقد تضمن هذا القانون تعديلات جوهرية بالنسبة لقانون المعاملات التجارية الملغي، والذي دخل حيز التنفيذ بتاريخ 2 يناير 2023م.
وقد تركّزت تعديلات قانون الشيكات آنف الإشارة على تفعيل وسائل الحماية المدنية، وتخفيف حدة وسَمتِ الطابع الجنائي وانحسارهِ عن جرائم الشيكات المرتجعة، باستثناء الحالات التي تتضمن غشًا أو احتيالاً صريحاً وهي حالات مُحددة على سبيل الحصر مثل التعمد في توقيع الشيك بسوء نية بصورة تمنع من صرفه.
ويُعد هذا القانون من الركائز الأساسية للتعاملات التجارية في الدولة، حيث نظم الشيك كأداة وفاء تقوم مقام النقد، وأفرد له أكثر من 25 مادة، تتناول أركان الشيك وأحكامه، وطرق صرفه، وحالات الرجوع، والجزاءات، والإنابة في الصرف.
وقد اشتملت تعديلات قانون الشيكات الإماراتي، على تغييرٍ شامل في آلية الوفاء والسداد للشيكات بدون رصيد، حيث اعتد المشرع بالسداد الجزئي للشيك واختصر طريقاً طويلاً على المستفيد في اقتضاء حقوقه، الذي وقع ضحيةً لواقعة إصدار شيكٍ بدون رصيد، فنص في التعديلات الأخيرة على أن الشيك يُعتبر سَنداً تنفيذياً يُعادل الحكم القضائي النهائي ومن ثم اختصر على حامله طريقاً طويلاً للتقاضي في أروقة المحاكم وَوَفَّرَ عليه الوقت والجُهدَ والمال، وصار الشيك المُرتَد سَنَداً تنفيذياً بمثابةِ حُكمٍ قضائي نهائي مُؤهل لاتخاذ إجراءات التنفيذ بموجبهِ، ضد ساحب الشيك ومُصدِرَهُ للتنفيذ بقيمته على أموال الساحب مُعطي الشيك.
وقد رَسَخَت المحكمة الاتحادية العُليا بدولة الإمارات العربية المتحدة، في حُكمٍ حديثٍ لها مبدأً قضائياً حيوياً يقضي بأن الشيك يُعَـدُ سَنَدَاً تنفيذياً بذاته ولا يجوز اقتضاء قيمته عبر إجراءات أمر الأداء، وإنما عبر التنفيذ الجبري المباشر، فأغلَقَت الجَدَل الدائر بشأن حالات ارتداد الشيك وحَسَمَتهُ بوضوح.
وأكدت ذات المحكمة -العليا- في حيثيات حُكمها، أن ارتداد الشيك بسبب خُمول الحساب أو تجميده أو إغلاقه، له ذات الأثر القانوني لارتدادهِ بسبب عدم وجود أو عدم كفاية الرصيد، بما يُرَسِخُ أن الطريق الإجرائي الصحيح هو سِلوك طريق التنفيذ بموجب الشيك باعتبارهِ سَنَدَاً تنفيذياً وليس سلوك أمر الأداء، في خطوة جريئة من المشرع لإنجاز العدالة في أجلىَ صورِها وصَون الهيكل الاقتصادي للدولة والحفاظ على موثوقية واستقرار وائتمان المعاملات التجارية التي تقوم في جُزءٍ كبيرٍ منها على عاتق الشيكاتِ، لأهميتها وسرعة تداولها وقيامها مقام النقود كأداة وفاءٍ فعالة.




