28 يناير 2026
واستكمالاً لنقاشنا حول الشيك وأهميته وما طرأ عليه من تعديلات تهدف إلى الحفاظ على التوازن بين المصلحة العامة والخاصة وحفاظاً على استمرار آليات السوق والتجارة العالمية في دولة الإمارات العربية المتحدة، والتي تقوم في جُزءٍ كبيرٍ منها على الشيك باعتباره أهم الأوراق التجارية التي تقوم مقام النقود وتتمتع بثقةٍ وائتمانٍ مطلقين، لذلك نلتقي اليوم مع الجزء الثاني من حديثنا حول هذا الموضوع ونستعرض فيما يلي تلك التغيرات والتعديلات الحيوية التي ألَمَت بالشيك وذلك على النحو التالي:
1- آلية الدفع والوفاء الجُزئي الإلزامي:
في حالة ما كان رصيد الساحب في البنك أقل من قيمة الشيك الذي أصدره للمستفيد، أصبح البنك مُلزَمَاً بأن يدفع لحامل الشيك، كامل المبلغ الموجود في حساب الساحب بشكل جُزئي، ما لم يرفض المستفيد ذلك، مع بيان سبب ارتداد الشيك، على أن يتم توثيق ذلك الوفاء والدفع الجُزئي بختم البنك على ظهر الشيك، مع إعطاء حامل الشيك شهادة توضح قيمة الجزء المدفوع، لإمكانية الرجوع على صاحب الحساب بما تبقى من مبالغٍ لم يتم سدادها، لعدم كفاية الرصيد أو لعدم وفاء المدين (صاحب الحساب) بالمبلغ المتبقي لأي سَبَبٍ آخر.
2- الحماية المدنية بدلاً من الجنائية:
حيث إنه بفضل التعديلات التشريعية المرنة الأخيرة التي طرأت على الشيك، تم تحويل التعامل مع الشيكات المرتجعة والمرتدة دون صرف بسبب نقص الرصيد إلى إجراءٍ مدني بدلاً من جنائي، فاستبدل وأسبَغَ المُشَرِع على الشيك الحماية المدنية في المساحة الأكبر للشيك بدلاً من الحماية الجنائية، التي تَقَلصَ دورها في هذا الصَك لحالاتٍ حصرية تتوافر فيها الغش والاحتيال بسوء نية، للإضرار بالمستفيد من الشيك، فاستبدل المشرع العقوبة الجنائية بعقوبةٍ مدنيةٍ، عبر إضفاء الصيغة التنفيذية على صكِ الشيك المُرتَد ليُصبح الأخير -(الشيك المرتد)- سَنَدَاً تَنفِيذياً بمثابة حكمٍ قضائي نهائي قابل للتنفيذ المباشر على أموال المدين (ساحب الشيك).
3- مدة تقديم الشيك للبنك:
حدّد القانون مدة تقديم الشيك للبنك بـنحو ستة أشهر من تاريخ الاستحقاق، وبعدها يفقد حاملهُ الحق في المطالبة به، ويتحول لورقة دَينٍ عادية تفقد صفتها وأهميتها كأداة وفاء وتخسرُ هيبتها كشيكٍ يحل محل النقود.
4- آليات تطبيق وتنفيذ قانون تنظيم الشيكات في الإمارات، باعتبار الشيك، سَنَدَاً تنفيذياً حائز للحُجية المطلقة دون حُكم قضائي:
حيث أضفى المشرع في تعديله الأخير على الشيك، صفة السند التنفيذي، الذي يقوم مقام الحكم القضائي النهائي دون اللجوء إلى مراحل التقاضي الطويلة في المحاكم، فأكسب الشيك المرتد صفة السند التنفيذي، وذلك بمجرد ارتداد الشيك فتحول الشيك إلى سَنَدٍ قابلٍ للتنفيذ مباشرةً ما يُتيح لحاملهِ طلب التنفيذ به على أموال مُصدِر الشيك، عن طريق قاضي التنفيذ مُباشرة.
5- إجراءات التنفيذ:
يُقدم المستفيدُ أو حاملُ الشيك المُرتَد طلبًا إلى قاضي التنفيذ مُرفقاً بالشيك والشهادة الصادرة من البنك، التي تُوَضح المبلغ الجزئي المدفوع، لكي يُصدر قاضي التنفيذ بدورِهِ أمرَهُ بالتنفيذ على أموال الساحب، لاستيفاء القَدر الذي تبقى من مبلغ الدَين الثابت بالشيك بعد خَصم القدر الذي وَفَّىَ به البنك ودَفعهُ للمستفيدِ دَفعَاً جُزئياً، وذلك بعد الاستعلام عن أملاكِ المدين (مُصدِرُ الشيك) في الدولة، إيذاناً للحجز على أمواله لإجبار الساحب لتوقي بيعها بالمزاد العلني بالدفع الفوري أو الجزئي عبر التقسيط.
وعليه يتعين على حامل الشيك والمستفيد من إصدارهِ توخي الحذر ومعرفة هذه التعديلات لعدم إهدار وقتهما وحقوقهما واتخاذ الخطوات الصحيحة لاسترداد كل ذي حقٍ حقه. وفق التعديلات التشريعية المَرنة التي أدخلها المشرع الإماراتي بحكمةٍ في شأن تنظيم أحكام الشيك باعتباره أهم الأوراق التجارية التي تحكم عَصَب التعاملات اليومية والتجارية مَحلياً وعالمياً.




